قطب الدين الراوندي

192

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بعد عسر واحد يكونان له من الأهل والمال ، ولم يهن نفسه بالمحاسدة ولا غبار على دينه ولا على حسبه ( 1 ) . ثم أشار إلى قوله تعالى « الْمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ » ( 2 ) ، فهذه أربعة أشياء مجموعة في هذه الألفاظ . ثم حذر من عقاب اللَّه ودعا إلى فعل الطاعة مع الاخلاص ، وسأل اللَّه منزلة الشهداء لنفسه ولمن يكون على منهاجه . ثم وصى بإعانة الأقرباء ومراعاتهم ، وبالغ في ذلك . وأما قوله « فإذا رأى أحدكم غفيرة في أهل أو مال فلا تكونن له فتنة » فالغفيرة هاهنا الكثرة والزيادة ، من قولهم « الجم الكثير ، الجم الغفير ، والجماء الغفير » ( 3 ) . ويروى « عفوة في أهل أو مال » ، فالعفوة الخيار من كل شيء ، تقول « أكلت عفوة الطعام » أي خياره . وانما قال لا تكونن له فتنة ، لان من نظر في أحوال الدنيا إلى من فوقه يستحقر ما عنده من نعم اللَّه ، فيكون ذلك فتنة عليه . وقوله « ويغري بها لئام الناس » من أغريت الكلب بالصيد ، وأغريت بينهم

--> ( 1 ) قال ابن ميثم في الشرح 2 - 4 : وحاصله الإشارة إلى أن كل ما يحدث من زيادة أو نقصان ويتجدد فيما يكون به صلاح حال الخلق في معاشهم ومعادهم من صحة أو مال أو علم أو جاه أو أهل ، فإنه صادر عن القسمة الربانية المكتوبة بقلم القضاء الإلهي في اللوح المحفوظ الذي هو خزانة كل شيء . والمراد بالأمر حكم القدرة الإلهية على المكنات بالوجود ، وهو المعبر عنه بقوله تعالى « كن » في قوله « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ » . إلخ . ( 2 ) سورة الكهف : 46 . ( 3 ) يقال : جاؤوا جماء الغفير والجماء الغفير أي بجملتهم .